عبد القادر الجيلاني
379
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
وتخرج به ولقي جماعة من مشايخ العراق وانتهت إليه رياسة هذا الشأن بالبطائح في وقته ، وتخرج بصحبته غير واحد من أهل البطائح وغيرهم وانتمى إليه جماعة من الأكابر ، وتلمذ له خلق كثير من العلماء واجتمع عنده أمة من المريدين وانتفعوا بكلامه وصحبته ، وكان جميلا كريما ظريفا خاشعا ذا حياء وافر وعقل مع أدب وكان محبّا لأهل العلم مكرما لأهل الدين شافعي المذهب ويلبس لباس العلماء ويتكلم على أصحابه ، وله كلام نفيس على لسان أهل المعارف . منه رؤية الأصول باستعمال الفروع ولا سبيل إلى مشاهدة الأصول إلا بتعظيم ما عظم اللّه تعالى من الوسائط والفروع وذكرك متوسط بك إلى أن يتصل ذكرك بذكره فما قارن حدث القدم إلا ترشى الحدث وبقي الأصل والتبرع إلى استدراك علم الانقطاع وسيلة واللياذ بالهرب من علم والذنوب وصلة الانبساط في محل الإنس عزة ومن تحلى بشهادة الباطل قصيم ومن تحلى بشهادة الحق عصم وكان رضي اللّه عنه يتمثل بهذه الأبيات : تكشف غيم الهجر عن قمر الحب * وأسفر نور الحب عن ظلمة الغيب وجاء نسيم الاتصال محققا * فصادفه حسن القبول من القلب ودبّت مياه الوصل في روضة الرضا * فصار الهوى يهتز كالغصن الرطب ولم يدر من طيب الوصال وحسنه * أفي روضة كنا هنالك أم حرب فيا من سبى عقلي هواه تركتني * أفكر ما بين التعجب والعجب وكان رضي اللّه عنه دائم المراقبة كثير الخشوع ملازم الإطراق ولا يرفع رأسه لأحد إلا في ضرورة ، ومكث أربعين سنة لا يرفع رأسه إلى حياء من اللّه تعالى وكانت الأسد تمرغ وجهها على قدميه . قال الشيخ الأصيل العارف أحمد بن أبي الحسن البطائحي رأيت أخي الشيخ إبراهيم يوما نائما في الرواق في يوم صائف شديد الحر وعند رأسه حية عظيمة في فمها باقة نرجس تروح بها عليه . وقال شهدته مرة وقد أتاه رجل ومعه شاب وقال له : هذا ابني زاد في عقوقي فرفع رضي اللّه عنه رأسه ونظر إلى ذلك الشاب فمزق أثوابه وأخذ في نفسه وحواسه وغدا إلى البطيحة وبقي شاخصا إلى السماء يأوي إلى السباع لا يأكل ولا يشرب أربعين يوما ثم جاءه الرجل وشكا سوء حال ولده فأعطاه خرقة وقال له : امسح بها وجه ابنك فذهب وفعل فأفاق الولد وجاء إلى عند الشيخ ولازم خدمته وكان عنده من خواص أصحابه . وكان رضي اللّه عنه إذا قال لأشد الناس خوفا من النار اذهب إلى النار لا يشعر بنفسه إلا فيها ويمكث